القاضي النعمان المغربي

213

المجالس والمسايرات

رمز ذكر في مسايرة : 106 - ( قال ) وسايرت الإمام المعزّ عليه السلام يوما وقد خرج من المنصوريّة إلى ما يليها من المنى « 1 » فلقيه بعض التجّار المختلفين إلى جهة المشرق ، فذكر له كلاما طويلا أجر / ا / ه في ضروب من الأمتعة إلى أن ذكر الجوهر وتمييزه ومعرفته وقيمته / . فقال له المعزّ عليه السلام : وكيف تعرف قيمة الجوهر على الحقيقة ، وإنّما هو شيء قد استحسنه الملوك ، فمتى استحسن شيء منه بالغت في العطاء بقدر ما استحسن / ت / ه منه وبقدر علوّها وسخاء أنفسها ومقدار بسطها واتّساعها وطباعها ؟ وقد تملّك كثيرا من الدنيا من لا فرق عنده بين الجوهرة النفيسة والزّجاجة المعمولة وما قاربها من الأشياء المصنوعة ، والخرز المفتعلة . والتجّار إنّما يشترونه وينقلونه من بلد إلى بلد ويبلغون في النفيس منه لما يرجونه من اشتراء / الملوك إيّاه ، وهم لا يعلمون كيف يقع ذلك منهم ، وإن أتوا به من يستجيده ويستحسنه منهم وتساعده القدرة ويجتمع فيه الطّبع والهمّة ، أجزلوا لهم في العطاء . وإن أخلّ به شيء من ذلك كان النقص بمقدار الإخلال إلى ما دون ذلك ممّن لا قدر له عنده ، ممّن وصفناه وقدّمنا ذكره . فقال التاجر : هو كما ذكر أمير المؤمنين . فلم يقبل عليه ولا رجّع إليه جوابا ونظر عليه السلام إليّ وتبسّم . فقدّرت في نفسي أنّه إنّما ضرب ذلك مثلا ورمز به رمزا بالحكمة التي لا تزكو إلّا عند أهلها ولا يعرف قيمتها ومقدارها / إلّا من خصّه اللّه عزّ وجلّ بها ، وبقدر الاختصاص بذلك والعطاء منه والهمّة والإمكان فيه تكون المعرفة بقدرها . وإنّ من كان عطلا منها محروما من فضلها تمرّ صفحا عليه ، فإن سمعها لم يعلق بشيء منها قلبه ولا ينتفع بها . وكان الذي فتق لي هذا المعنى أنّي جلست بين يديه ( صلع ) قبل ذلك اليوم بيومين ، فذكر نحوا من هذا عن بعض الأئمّة من آبائه الطاهرين صلوات اللّه عليهم ، وأنّه خاطب يوما بعض أوليائه بمكنون من الحكمة ممّا أخذ العهد في كتمانه ، وبحضرته بعض العبيد / ممّن لم يؤخذ عليه « 2 » ولا بلغ مبلغا يستحقّ به سماع ذلك

--> ( 1 ) ج المنية ، وهي المنتزه والبستان الواسع ، انظر قاموس دوزي . وقد شاع استعمال الكلمة كمنية المغيرة ومنية الخيل بالقيروان ومنية الخصيب بمصر . ( 2 ) أخذ عليه العهد بالولاية وكتمان علم الباطن .